ابن عجيبة
108
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً أي : رسولا ينذر أهلها ، ولقسمنا النذر بينهم كما قسمنا المطر ، فيخف عليك أعباء النبوة ، ولكنا لم نشأ ذلك ؛ فحملناك ثقل نذارة جميع القرى ، حسبما نطق به قوله تعالى : لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً « 1 » ؛ لتستوجب بذلك الدرجة القصوى ، وتفضل على سائر الرسل والأنبياء ، فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ فيما يدعونك إليه من موافقتهم ومداهنتهم . وكما آثرتك على جميع الأنبياء فآثر رضاى على جميع الأهواء ، وكأنه نهى للرسول صلى اللّه عليه وسلم عن المداراة معهم ، والتقصير في الدعوة ؛ لئلا تغلبه الشفقة عن مقابلتهم بصريح الحق . قال القشيري : فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ أي : كن قائما بحقّنا ، من غير أن يكون منك جنوح إلى غيرنا ، أو مبالاة بسوانا ، فإنّا نعصمك بكل وجه ، ولا نرفع عنك ظلّ عنايتنا بحال . ه . وَجاهِدْهُمْ بِهِ أي : بالقرآن ؛ بأن تقرأ عليهم ما فيه من الزواجر والقوارع والمواعظ ، وذكر أحوال الأمم الهالكة ، جِهاداً كَبِيراً ؛ عظيما موقعه عند اللّه ؛ لما يتحمل فيه من المشاق ، فإن دعوة كلّ العالمين ، على الوجه المذكور ، جهاد كبير ، أو : ( جاهدهم به ) ؛ بالشدة والعنف ؛ من غير مداداة ولا ملاينة ، فكبر الجهاد هو ملابسته بالشدة والعنف ، كقوله : جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ * « 2 » . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : الإنذار والوعظ بالمقال مع الهمة والحال عزيز الوجود ، فقلّ أن يجتمع منهم ، في العصر الواحد ، ثلاثة أو أربعة في الإقليم الكبير ؛ لأن اللّه تعالى لم يشأ ذلك بحكمته ، قال تعالى : وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً ، وكلما قلّ عددهم ، وعظم الانتفاع بهم ، عظم قدرهم ، فينبغي للمذكّر أن يذكّر كلّا بما يليق به ، فأهل العصيان ينبغي له أن يشدد في الإنذار ، ولا يداريهم ولا يداهنهم . وأهل الطاعة ينبغي له أن يبشّرهم ويسهل الأمر عليهم ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « يسّروا ولا تعسّروا ، ويشّروا ولا تنفّروا » « 3 » ، فيحتاج المذكّر إلى فطنة وفراسة ، حتى يعطى كل واحد ما يليق به ، ويخاطب كل واحد بما يطيقه . وبالله التوفيق . ثم ذكر دليلا آخر على كمال قدرته ، فقال :
--> ( 1 ) من الآية الأولى من سورة الفرقان . ( 2 ) من الآية 73 من سورة التوبة ، والآية 9 من سورة التحريم . ( 3 ) أخرجه البخاري في ( كتاب العلم ، باب : ما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يتخولهم بالموعظة ، ح 69 ) ومسلم في ( الجهاد والسير . باب الأمر بالتيسير وترك التنفير ، 3 / 1309 ، ح 1734 ) من حديث أنس بن مالك - رضى اللّه عنه .